الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
468
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
إنما يلحظ بالنسبة إلى حجية ذلك الظن لا في نفس حصول المظنة وتحقق الاجتهاد في المسألة وإن اكتفوا فيه بالظن باستيفاء الأدلة فهو مما يمكن حصوله للمتجزي قطعا من غير فرق بينه وبين المطلق في ذلك فلا يقضي ذلك بالمنع من التجزي انتهى ملخصا إذ قد عرفت أن الاجتهاد في ظاهر اصطلاحهم اسم لاستفراغ الوسع في تحصيل الأحكام الشرعية على وجه يعتد به في الشريعة فحينئذ فالخلاف في حجية ظنّ المتجزي يرجع إلى الخلاف في قبول الاجتهاد بالمعنى المذكور للتجزي فيلزم القائل بعدم حجية أن لا يسمى ذلك اجتهادا كما يلزم القائل بحجيته بإدراجه في الاجتهاد وحينئذ فذهاب المعظم إلى جواز التجزي ومخالفة آخرين ليس مبنيا على البحث اللفظي وليس القائل بالمنع من التجزي قائلا بعدم إمكان حصول الظن لغير المجتهد المطلق والقول به كما يظهر من بعض كلماتهم كلام سخيف إن صح وجود القائل به فهو لشذوذ منهم لا يتجه إسناده إلى الأفاضل فلا تغفل هذا وحيث علمت أن المتيقن من موضوع التجزي هو التجزئة يجب كل من القوّة والفعلية فلنفرض المسألة في تلك الصورة ثم نتبعها بالكلام في باقي الوجوه المذكورة فنقول إن في المسألة قولان معروفان أحدهما القول بالتجزي وعزي إلى أكثر الأصوليين وفي الوافية أن الأكثر على أنه يقبل التجزئة وقد اختاره جماعة من علمائنا منهم العلامة رحمه الله في عدة من كتبه الأصولية والفقهيّة والشهيدان وشيخنا البهائي ووالده وجماعة من المتأخرين بل استظهر بعضهم اتفاق أصحابنا الإمامية عليه وعلى تقدير منعه فلا أقل من الشهرة العظيمة التي يعد معها دعوى شذوذ المخالف فاختاره أيضا جماعة من العامة منهم الغزالي والرازي والتفتازاني ويظهر القول من الآمدي وثانيهما المنع منه وحكي القول به عن قوم وعزاه بعضهم عن أكثر العامة واختاره بعض مشايخنا المحققين ويظهر من جماعة التوقف في ذلك منهم الحاجبي والعضدي من العامة وفخر المحققين والسيد عميد الدين من الخاصة حيث ذكروا احتجاج الطرفين ولم يرجحوا شيئا من القولين حجة القول بقبوله للتجزي وجوه الأول ما أشار إليه المصنف ويأتي الكلام فيه إن شاء الله الثاني أن قضية حكم العقل بعد انسداد باب العلم وبقاء التكاليف هو الرجوع إلى الظن لكونه الأقرب إلى العلم حسبما مر تفصيل القول فيه سواء كان الظان به قادرا على استنباط غيره من الأحكام أولا فالذي يقتضيه الدليل المذكور قيام الظن مقام العلم للقادر على تحصيله فالعامي الصرف الغير المتمكن من تحصيل المظنة واستنباط الأحكام عن الأدلة خارج من موضوع المسألة بخلاف المتجزي وبالجملة أن العبرة بحال الظن حسب ما يقتضيه الدليل المذكور على ما مر تفصيل القول فيه فيحكم به لقيامه مقام العلم من غير ملاحظة لحال الظان والمستنبط فمهما كان المكلف قادرا على تحصيل الظن كان ذلك قائما عنده مقام العلم مطلقا كان أو متجزيا وإن لم يكن قادرا على ذلك كما هو الحال في الخارج عن القسمين المذكورين فهو خارج عن مؤدى الدليل وكان تكليفه شيئا آخر ويورد عليه بأنه لو تم ذلك لدل على حجية الظن الحاصل لغير القادر على ملاحظة جميع الأدلة والتمكن عن البحث عن معارضاتها ووجوه دلالتها حتى العوام القادرين على تحصيل الظن بمجرد الرجوع إلى بعض الروايات وبعض ملاحظة ترجمتها لكون الجميع ظنا بالحكم بل قد يكون الظن الحاصل لهؤلاء أقوى من الظنون الحاصلة للمجتهد لعدم انسباق الشبهة إلى أذهانهم والقول بخروج ظن هؤلاء بالإجماع مدفوع بلزوم تخصيص القاعدة العقلية فما دل على عدم حجية الظن المفروض يدل على عدم جواز التعويل على الوجه المذكور يدفعه أن قضية الدليل المذكور هو حجية كل ظن لم يقم الدليل على خلافه فما قام الدليل على عدم جواز الأخذ به خارج عن موضوع تلك القاعدة إلا أنه تخصيص لها نظرا إلى قيام الدليل عليه والتحقيق في الإيراد عليه وجهان أحدهما أن قضية العقل بعد انسداد باب العلم هو حجية أقوى الظنون وقيامه مقام العلم إذ هو الأقرب إليه ولا ريب أن الظن الحاصل لصاحب الملكة القوية الباعثة على الاقتدار على استنباط جميع المسائل ومعرفة جميع المسائل ومعرفة جميع الأدلة الشرعية والوصول إلى وجوه دلالتها وكيفية استنباط الأحكام منها أقرب إلى إصابة الحق والوصول إلى الواقع من استنباط من هو دونه في الملكة بحيث لا يقدر إلا على استنباط بعض المسائل ولا يتمكن إلا من إدراك بعض الدلائل وإذا دار الأمر بين اعتبار القدرة على استنباط جميع الأدلة والبحث عن معارضتها وكيفية دلالتها كما هو شأن المجتهد المطلق أو الاكتفاء باستنباط مدارك المسألة الخاصة ولو مع العجز عن إدراك غيرها كما هو شأن المتجزي كان الأول هو الأولى والحاصل أنه كما يجب تحصيل أقوى الظنون من حيث المدرك مع اختلاف المدارك في القوة والضعف كذا يجب مراعاة الأقوى من حيث المدرك فكما يجب عليه البحث عن الأدلة لتحصيل المدرك الآخر كذا يجب عليه السعي في تحصيل القوة القوية حتى يكون مدركا لتلك الأقوى لكون الظن الحاصل معها أقرب إلى مطابقة الواقع من الحاصل من القوة الناقصة والملكة الضعيفة فإن قلت لو كان الأمر على ما ذكر لما اكتفي بالظن الحاصل من المجتهد المطلق مطلقا بل كان الواجب عليه تحصيل القوة الأتم والملكة الأقوى على حسب الإمكان لوضوح اختلاف المجتهدين المطلقين في القدرة أو الملكة مع أن أحدا لم يقل بوجوب ذلك قلت لولا قيام الدليل القاطع على الاكتفاء بظن المجتهد مطلقا كان مقتضى الدليل المذكور ذلك إلا أنه لما قام الإجماع على عدم وجوب تحصيل كمال القوة بعد تحصيل ملكة الاجتهاد المطلق كان ذلك دليلا على عدم وجوب مراعاة الزائد فهو نظير ما إذا دل الدليل القاطع على الاكتفاء في مقدار البحث والنظر في الأدلة على قدر مخصوص من غير حاجة إلى اعتبار ما يزيد عليه ولو مع التمكن من الزيادة فإنه لا منافاة لمقتضى الدليل المذكور أصلا إذ اعتبار وجوب تحصيل الأقوى إنما هو لعدم قيام الدليل على الاكتفاء بما دونه وأما بعد قيام الدليل عليه فلا إلا أن اقتضاء المتحصل من الدليل المذكور هو حجية الظن الحاصل من صاحب الملكة المطلقة بعد تحصيل ما هو الأقوى من المدارك حسب أنه الظن الأقرب إلى إصابة الواقع فيجب على المكلف إذن تحصيل الأقوى بعد انسداد سبيل العلم بالحكم ليكون مؤديا بالتكليف خارجا في حكم العقل عن عهدة التكليف الثابت باليقين بعدم القطع بتحصيل البراءة من دونه فذلك هو الظن القائم مقام العلم بحكم العقل دون سائر الظنون وكان ذلك هو الاجتهاد الواجب في تحصيل الأحكام ولما دل الدليل القاطع